خليل الصفدي
13
أعيان العصر وأعوان النصر
فرغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم فقيل : إنّه ما أعاد في ذلك الموقف عبارة قالها لأحد ، قلت : وهذا من التوسّع في العبارة والقدرة على التفنّن في أساليب الكلام وهو أمر صعب إلى الغاية ، وأراه أنّه أشقّ ممّا يحكى عن واصل بن عطاء « 1 » وأنّه ما سمع منه كلمة فيها حرف راء ؛ لأنّه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة ، والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهويله ؛ أنّ واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة في معناها وليس فيها راء وهو كثير في كلام العرب ، فإذا أراد العدول عن لفظ « فرس » قال : « جواد » أو « سابح » أو « صافن » ، أو العدول عن لفظ « رمح » قال : « قناة » أو « صعدة » أو « يزنيّ » أو غير ذلك ، أو العدول عن لفظ « صارم » قال « حسام » أو « لهذم » أو غير ذلك . وأمّا ابن زيدون فأقول في حقّه : إنّه أقلّ ما كان في تلك الجنازة وهو وزير ، ألف رئيس ممّن يتعيّن عليه أن يتشكّر له ، ويضطرّ إلى ذلك فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها التشكّر وهذا كثير إلى الغاية ، لا سيّما من محزون فقد قطعة من كبده . من بحر ( الطويل ) ولكنّه صوب القول إذا انبرت * سحائب منه أعقبت بسحائب وقد استعمل الحريري « 2 » - رحمه اللّه تعالى - هذا في « مقاماته » ، فهو في كلّ مرّة يجتمع فيها الحارث بن همّام بأبي زيد ويحتاج إلى أن يقول : « فلمّا أصبح الصبح » تراه يعبّر بعبارة عن هذا المعنى بغير عبارته الأولى ، فتارة قال : « فلمّا لاح ابن ذكا ، وألحف الجوّ الضياء » ، وتارة قال : « إلى أن أطلّ التنوير » ، وجسر الصبح المنير ، وتارة قال : « حتى إذا لألأ الأفق ذنب السرحان ، وآن انبلاج الفجر وحان » ، وتارة قال : « إلى أن عطس أنف الصباح ، ولاح داعي الفلاح » ، وتارة قال : « فلمّا بلغ الليل غايته ، ورفع الصبح رايته » ، وهذا كثير في مقاماته ، وهو من القدرة على الكلام ، وأرى الخطيب ابن نباته - رحمه اللّه تعالى - ممّن لا يلحق في هذا الباب فإنّه أملى مجلدة معناها من أولها إلى آخرها : ( يا أيها
--> ( 1 ) واصل بن عطاء هو : واصل بن عطاء الغزال أبو حذيفة من موالي بني ضبة رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين ، له تصانيف كثيرة منها « المنزلة بين المنزلتين » و « معاني القرآن » وغير ذلك توفى عام 131 ه . ( انظر : المقريزي : 2 / 345 ، ومروج الذهب : 2 / 298 ) . ( 2 ) الحريري هو : القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد الحريري البصري الأديب الكبير صاحب المقامات الحريرية وله مجموعة من المصنفات منها « درة الغواص في أوهام الخواص » ولد عام 446 ه ، وتوفى عام 516 ه . ( انظر : خزانة البغدادي : 3 / 117 ، ونزهة الجليس : 2 / 2 ) .